عمليات تركيا العسكرية في سوريا والدور الذي لعبه الإعلام التركي

منذ قيام الثورة السورية في مارس/آذار 2011، اتخذت أنقرة موقفًا واضحًا، معلنة وقوفها إلى جانب إرادة وتطلعات الشعب السوري، لا سيما بعد محاولتها ثني النظام السوري عن استخدام العنف، وحثها له على الاستماع للشعب والاستجابة لمطالبه. وعلى الرغم من تطورات الملف السوري والتبعات التي أسفر عنها على مستوى داخلي وإقليمي ودولي، ظلت تركيا رافضة لخوض أي حوار مع النظام السوري، راسمة لنفسها موقفها الخاص الذي يختلف بالتأكيد مع دور أهم اللاعبين في ملف الصراع السوري مثل روسيا وإيران والولايات المتحدة.

تطور الموقف التركي حيال الملف السوري ضمن نسق محدد نابع من رؤية تركية خاصة، بدأ مع سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين الفارين من جحيم الحرب في سوريا، بناء على حس إنساني ومسؤولية فرضتها على نفسها منذ اليوم الأول، ومنحت السوريين تسهيلات عدة يمكن ملاحظتها بوضوح في العديد من الجوانب الحياتية من عمل ودراسة وطبابة، مقارنة ببلدان اللجوء الأخرى التي استقبلت السوريين مثل لبنان والأردن.

ونظرًا لطول أمد الحرب دون وجود حل حقيقي بإمكانه إنهاء حالة الصراع المتصاعد من جهة، وتأثر الداخل التركي بتبعات هذه الحرب لا سيما من خلال العمليات الإرهابية التي تعرضت لها العديد من المدن التركية من ضمنها العاصمة أنقرة؛ من جهة أخرى، وجدت تركيا نفسها أمام خيار وحيد وهو التدخل بشكل مباشر في هذا الصراع، بهدف تأمين الحدود التركية من جانب، وتوفير بيئة آمنة تمكن السوريين الراغبين بالعودة إلى بلادهم؛ من جانب آخر.

ولقد اشتد هذا المطلب لدى تركيا بشكل خاص عقب محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف عام 2016، لتعلن في أغسطس/آب من العام ذاته إطلاق عملية “درع الفرات” شمالي سوريا ضد تنظيمات “داعش” وPKK الإرهابية.

ولم تنته عملية “درع الفرات” في مارس/آذار 2017، حتى بدأت عملية عسكرية أخرى تحت اسم “غصن الزيتون” في يناير/كانون الثاني 2018، ضد تنظيمات PKK المتواجدة في مدينة عفرين بريف حلب الشمالي شمالي سوريا، بهدف القضاء على الممر الذي حاولت التنظيمات إنشاؤه وصولًا لمناطق شمال شرقي سوريا (شرق الفرات). تبع ذلك إطلاق عملية ثالثة تحت اسم “نبع السلام” في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2019، لأجل الغرض ذاته وبهدف إنشاء منطقة آمنة على عمق 30 كيلومتر تمهد لعودة آمنة للسوريين الذين في تركيا إلى بلادهم.

جميع هذه التطورات المتتالية التي طرأت على الموقف التركي في سوريا، كان للإعلام في تركيا دوره الكبير في تغطية الحرب الدائرة هناك أولًا، ثم تغطية العمليات العسكرية التركية بشكل خاص، بشكل ساهم في نقل المشهد بصورة أوضح للمتابع التركي الذي كان معنيًّا بالمسألة السورية لا سيما مع وجود 3.7 مليون سوري موزعين على مختلف الولايات والمدن التركية.

ركز هذا الدور الإعلامي على تثقيف المتابع التركي بحقيقة ما يجري في سوريا، لا سيما مع وجود رؤى مختلفة بشكل تام للعديد من أطياف المعارضة السورية، ونخص منها حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، وحزب الشعوب الديمقراطي المعروف بتبعيته السياسية لتنظيم PKK.

كما لعبت وسائل إعلام تركية على رأسها “يني شفق” التي تنشر باللغتين الإنجليزية والعربية إلى جانب التركية، دورًا بارزًا في تسليط الضوء على الجانب الإنساني للقضية السورية، إلى جانب تغطيتها لمجريات الحرب عن كثب.

عمليات تركيا العسكرية في سوريا والدور الذي لعبه الإعلام التركي
صحيفة يني شفق التركية

وذلك من خلال عشرات التقارير المكتوبة والمصورة التي كشفت أمام المتابع التركي عن نجاح عمليات تركيا العسكرية، ومساهمتها في بث الحياة من جديد في تلك المناطق المحرّرة من يد تلك التنظيمات، والإسهامات التركية التي تجلت في إعادة ترميم المدراس والمستشفيات ودور العبادة، ورسم البسمة لا سيما على وجوه الأطفال، لا سيما من خلال المشاهد التي نشرتها الصحيفة لأطفال يحتفون بالجنود الأتراك، تحت عناوين عديدة شرحت خلالها أن الجندي التركي صديق المدنيين لا عدوهم.

وعلى صعيد آخر، ساهمت العديد من وسائل الإعلام التركية ومن ضمنها “يني شفق“، في تعزيز الحس الوطني لدى الرأي العام في تركيا، من خلال عقد مقارنات بين الوجود العسكري التركي من جهة، والوجود العسكري لللاعبين الآخرين على رأسها روسيا، والولايات المتحدة التي تقود تحالفًا دوليًا في سوريا.

ولقد أبرزت تلك المقارنات الفرق بين قوة هادفة سرعان ما تنهي عملها العسكري لتبدأ بإعادة الحياة من جديد بأفضل مما كانت عليه، وبين قوة عسكرية تستهدف المدارس والمستشفيات والمنازل والمساجد دون أن يسفر عملها العسكري عن نتيجة ملموسة، ودون أن تعيد ما قامت بتخريبه وتدميره.

المورد

زر الذهاب إلى الأعلى