سوريون في تركيا اضطرتهم الظروف للعمل بنبش القمامة وجمع الخردة .. هل أصبحت مهنتهم؟

اضطر سوريون يعيشون في تركيا للعمل بشكل مؤقت في نبش القمامة وجمع الخردة من ورق مقوى (كرتون) وبلاستيك وحديد وغيرها، لتتحول هذه الحالة إلى مهنة يجنون من خلالها لقمة عيشهم وقوت يومهم.

تلفزيون سوريا التقى عدداً من اللاجئين السوريين الذين اضطرتهم ظروف اللجوء للعمل في جمع الخردة بواسطة عربة أو سيارة في مدينة غازي عنتاب التركية.

اقرأ أيضا: سوريون على الحدود البيلاروسية البولندية يطلقون نداء استغاثة لإنقاذ حياتهم

يومية العامل في لم الخردة لا تتجاوز 75 ليرة تركية

ولدى سؤال تلفزيون سوريا له عن شعوره في شهره الأول بجمع الخردة من القمامة في غازي عنتاب التي يقطن فيها منذ عام 2015، قال أبو أحمد قاسم: “كنت أجلس على جانب الطريق وأبكي، كان الشهر الأول صعباً للغاية، خجلت كثيراً، لكنني اعتدت ذلك فليس لدي حل آخر”.

أبو أحمد من سكان ريف حلب الشرقي، كان يعمل سائق سيارة شحن، وبعد أن استطاع شراء شاحنة وبدأت أموره المادية تتحسن، قام حاجز السلمية التابع لجيش النظام بمصادرة شاحنته من دون سبب، وقالوا له نحتاجها “للتعبئة”، وعندما عاد بعد خمسة عشر يوماً كما وعدوه، قالوا له “ذهبت سيارتك ولم تعد”.

عاد إلى البيت، ولكن “تنظيم الدولة” أجبرهم على مغادرته لأسباب أمنية، فغادر مع عائلته وعوائل إخوته، وتعدادهم عشرون فرداً، وسكن في إحدى قرى منبج، لكن بيته قُصِف، وسيارته سُرِقَت، ونقوده التي ادّخرها نفذت، فاضطر للمغادرة إلى تركيا.

وعمل أبو أحمد في البداية مع شركة إنشاءات، ولكن الراتب كان شهرياً، وفي نهاية الشهر ينتظر أسابيع ليأخذ أجرته، ثم عمل حداداً ودهاناً، لكنه كان يشعر بالغبن ولا يستطيع تحصيل نقوده في كثير من الأحيان، إلى أن عرض عليه أحد أصدقائه العمل على “الشكشاكة” (وهو اسم العربة التي تحمل كيساً كبيراً من الخيش ويجرها العامل خلفه)، وذهب إلى أحد المراكز وهناك تسلم عربة وبدأ العمل.

المراكز تشتري الخردة -اليوم بعد ارتفاع الأسعار- بمبلغ ليرتين ونصف من “الدوّير” (وهو اسم العامل الذي يدور على الحاويات ليجمع الخردة)، والخردة تتضمن البلاستيك والحديد والألمنيوم والورق المقوى، وتدفع بشكل مباشر، ويعيد العمال في المركز فرز المواد وإرسالها لمعامل إعادة التدوير.

وبحسب “أبو أحمد” فإن العربة لا تتسع لأكثر من ثلاثين كيلوغراماً من الكرتون، وهو يساوي مبلغ خمسٍ وسبعينَ ليرة تركية، أحياناً قد يجمع العامل أكثر وأحياناً أقل.

العمل كـ “دوّير” على “الشكشاكة” هو ضربة حظ

يقول أبو أحمد “قد لا تجد شيئاً، وقد يحالفك الحظ بإيجاد الكثير من الورق المقوى أو الألمنيوم أو غيرها، وكثيراً ما كنت أمشي نحو 10 إلى 12 كيلومتراً من دون أن أحظى بخمسة كيلوغرامات من الورق المقوى، وهو خفيف الوزن، حيث تمتلئ العربة بعشرين كيلوغراما فقط، وأعود إلى البيت حزيناً مقهوراً”.

ويرى أن “العمل في لمّ الخردة هو شغلة اللي ما عنده شغلة”، وعندما تتحول إلى ظاهرة وتكثر العربات والسرقات في الشوارع تبدأ البلدية بحملات لتخفيف الظاهرة، ومن يحالفه الحظ يدفع مخالفة 125 ليرة فقط، ولكن إذا كانت المخالفة ظالمة قد يدفع 400 وقد تصل إلى 900 ليرة، عدا عن مصادرة البلدية للعربة.

ويضيف أبو جمعة صديق أبو أحمد: “لدينا ثلاثة أشهر لا نعمل فيها، شهر كانون الأول والثاني وشباط، حيث يكون العمل فيها صعباً ومنهِكاً ومن دون جدوى، ولا يوجد مكان يختص به شخص أو مجموعة أشخاص، فالعلاقة وديّة بين (الدوّيرة) أو عمال الخردة، نلقي السلام على بعضنا ونلتقي في أثناء العمل أو في المركز ونتجاذب أطراف الحديث، حتى الأتراك لم نجد مواقفَ سلبية تجاهنا، بل يشعرون بالتعاطف معنا”.

العمل على سيارة جمع الخردة من القمامة

هناك من استطاع تأمين سعر سيارة مكشوفة للعمل في جمع الخردة، أو اشترى سيارة قديمة مستعملة بالتقسيط، حيث يكون العمل فيها أكثر ربحاً نوعاً ما، لكن يدفع صاحب السيارة مئة ليرة بنزين، ويدفع أجرة العامل خمساً وسبعين ليرة، عدا عن الصيانة والضريبة والمعاينة.

يقول (سيف) وهو سائق سيارة يجمع فيها الخردة، إن الربح قريب جداً من الذي كنت أحصل عليه خلال عملي على العربة، ولكنني أستطيع اليوم أن أخرج مع عائلتي بالسيارة للتنزه أو الوصول للطبيب أو المشفى في الحالات المرضية من دون استخدام المواصلات العامة، أو طلب سيارة الأجرة باهظة الأجر.

ويضيف: “أحياناً أعمل على توصيل بضائع أو نقل أثاث منزل من مكان إلى آخر، حتى أستطيع أن أدفع مصروف السيارة والقسط”.

نعيش كل يوم بيومه وأكبر همومنا دفتر الدَين لدى البقال

وقال أبو أحمد في ختام كلامه “يا ريتني أموت ولا أشتغل هي الشغلة، أسكن في بيت يشبه الخرابة، لكنني أحمد الله، هو مؤلّف من غرفة واحدة ومطبخ وحمام بأبواب خشبية متهالكة، وفي كثير من الأحيان لا أملك أجرة التكسي لأصل بطفل مريض من أطفالي إلى المشفى، وأشتري له علبة شراب سعال بالدين، ونحاول علاجه بما تعلمناه من جدتي”.

وأكد أنه لا يملك مستقبلاً سوى بتعليم أولاده، ويحاول جاهداً أن يتابعوا تعليمهم، ويخبرهم دائماً أنه لا يريدهم أن يعانوا مثله، ولكن الديسك أحياناً يجبره على طلب المساعدة في جمع الخردة من ابنه الكبير، إلى أن صادفه أستاذ المدرسة في إحدى المرات وهو يعمل معه، ومن حينها لم يعد يأخذه للعمل معه.

المصدر: تلفزيون سوريا

زر الذهاب إلى الأعلى